عدت من السويد، حيث شاركت مؤسسات طيبة التربوية في مسابقة Gothia Cup لكرة القدم، وعادت السيدة أسماء غربال المديرة العامة للمؤسسة، من الولايات المتحدة، بعد أن رافقت مجموعة من تلاميذنا في رحلة تربوية شملت زيارة عدد من الجامعات والمؤسسات الأمريكية.
وبدأنا مباشرة في الاستعداد لرحلة جديدة..
لكن الأمر كان مختلفًا هذه المرة، فالوجهة ستكون نحو "الغموض" إلى "المجهول" إلى "المغامرة"..
كنا نجهز الإجابات كما نجهز الحقائب، ونرتب الأفكار كما نرتب الأدباش.
فالرحلة مدتها أطول، أتراها ستعجبنا أم سينبغي علينا الصبر والتحمل؟
ماذا سنأكل؟ كيف هي ظروف الإقامة والاستقبال؟ كيف سيكون التواصل والترحال؟!
أسئلة كثيرة وحيرة كبيرة كانت تردنا وتراودنا، حول الأرض التي وصفت في قصص ألف ليلة وليلة بأنها "أرض العجائب والغرائب" وعن بلدٍ ظل في المخيال العربي مرتبطًا بالبعد والمسافة والمشقة.
حتى أصبحت العبارة الشهيرة: «اطلبوا العلم ولو في الصين» مثالًا على بلوغ أقصى الأماكن في سبيل المعرفة.
ولم تتغير المعلومات كثيرًا حول الصين حتى بعد الثورة العلمية والتكنولوجية التي يفترض أنها تقرب المسافات وتزيل الشبهات.
كانت الصين بالنسبة إلينا، اسمًا بعيدًا، وحضارة مختلفة، ولغة لا نعرفها، وكتابة غريبة، وثقافة لم نقترب منها ولا نعرف عنها إلا القليل - أو الكثير مما نشاهده في الأفلام والإعلام.
لكننا اخترناها، واخترنا منذ البداية أن لا تكون زيارتنا سياحية أو تجارية، ولو أردناها كذلك لاستهدفنا جمهورًا آخر أو بلدًا آخر، وفي وقت آخر، ولكان الأمر أيسر و"أربح".
ولكن اخترنا أن تكون فرصة لتجربة تعليمية ثقافية حياتية، تتجاوز المعروف والمألوف.. والمتوقع.
بكين… أول الإجابات.
مرت أيام الانتظار بسرعة وجاء اليوم الموعود، يوم الثاني من أوت سنة 2026.
وفي مطار تونس قرطاج الدولي، اجتمع الركب الذي ضم ثلاثة وعشرين مشاركًا، من بينهم سبعة عشر تلميذًا، أغلبهم بين الثانية عشرة والسابعة عشرة من العمر، لينطلقوا في رحلة البحث عن الكنز.. وعن الإجابة.
طارت العقول في عنان السماء، وبعد برهة من الزمن نعجز عن تقدير مدتها حتى لو أحصينا ساعاتها ودقائقها، حطت القلوب في بكين، واشرأبت عدسات الأعين تلتقط عظمة تفاصيل المدينة المحرمة.
وفوق سور الصين العظيم، كنت أنتشي وأنا أتجرع سعادة تلاميذنا الأبناء، حين تحولت المعرفة عندهم إلى تجربة وهم يرون مباشرة إحدى عجائب الدنيا، التي طالما قرؤوا عنها في الروايات أو شاهدواها في أفلام الكرتون والمسلسلات.
وبدأنا مباشرة في الاستعداد لرحلة جديدة..
لكن الأمر كان مختلفًا هذه المرة، فالوجهة ستكون نحو "الغموض" إلى "المجهول" إلى "المغامرة"..
كنا نجهز الإجابات كما نجهز الحقائب، ونرتب الأفكار كما نرتب الأدباش.
فالرحلة مدتها أطول، أتراها ستعجبنا أم سينبغي علينا الصبر والتحمل؟
ماذا سنأكل؟ كيف هي ظروف الإقامة والاستقبال؟ كيف سيكون التواصل والترحال؟!
أسئلة كثيرة وحيرة كبيرة كانت تردنا وتراودنا، حول الأرض التي وصفت في قصص ألف ليلة وليلة بأنها "أرض العجائب والغرائب" وعن بلدٍ ظل في المخيال العربي مرتبطًا بالبعد والمسافة والمشقة.
حتى أصبحت العبارة الشهيرة: «اطلبوا العلم ولو في الصين» مثالًا على بلوغ أقصى الأماكن في سبيل المعرفة.
ولم تتغير المعلومات كثيرًا حول الصين حتى بعد الثورة العلمية والتكنولوجية التي يفترض أنها تقرب المسافات وتزيل الشبهات.
كانت الصين بالنسبة إلينا، اسمًا بعيدًا، وحضارة مختلفة، ولغة لا نعرفها، وكتابة غريبة، وثقافة لم نقترب منها ولا نعرف عنها إلا القليل - أو الكثير مما نشاهده في الأفلام والإعلام.
لكننا اخترناها، واخترنا منذ البداية أن لا تكون زيارتنا سياحية أو تجارية، ولو أردناها كذلك لاستهدفنا جمهورًا آخر أو بلدًا آخر، وفي وقت آخر، ولكان الأمر أيسر و"أربح".
ولكن اخترنا أن تكون فرصة لتجربة تعليمية ثقافية حياتية، تتجاوز المعروف والمألوف.. والمتوقع.
بكين… أول الإجابات.
مرت أيام الانتظار بسرعة وجاء اليوم الموعود، يوم الثاني من أوت سنة 2026.
وفي مطار تونس قرطاج الدولي، اجتمع الركب الذي ضم ثلاثة وعشرين مشاركًا، من بينهم سبعة عشر تلميذًا، أغلبهم بين الثانية عشرة والسابعة عشرة من العمر، لينطلقوا في رحلة البحث عن الكنز.. وعن الإجابة.
طارت العقول في عنان السماء، وبعد برهة من الزمن نعجز عن تقدير مدتها حتى لو أحصينا ساعاتها ودقائقها، حطت القلوب في بكين، واشرأبت عدسات الأعين تلتقط عظمة تفاصيل المدينة المحرمة.
وفوق سور الصين العظيم، كنت أنتشي وأنا أتجرع سعادة تلاميذنا الأبناء، حين تحولت المعرفة عندهم إلى تجربة وهم يرون مباشرة إحدى عجائب الدنيا، التي طالما قرؤوا عنها في الروايات أو شاهدواها في أفلام الكرتون والمسلسلات.
اللغة الصينية: الغريبة الأخرى
وخلال إقامتنا، كان التلاميذ يتلقون دروسًا في اللغة الصينية بصورة منتظمة؛ فالحروف المغايرة والكتابة المتميزة التي لم نكن نعلم من أي اتجاه تبدأ وفي أي اتجاه تنتهي ، واللغة التي طالما اعتبروها حاجزًا أصبحت اليوم جسرًا.
قالت لي نور:
"اللغة الصينية لم تكن بذلك التعقيد الذي كنت أتصور.. أعجبتني وأحببتها، كما أنها كانت سببًا في تمتعي بالكثير من الود وبالعديد من الفرص، فالشعب الصيني يسعد كثيرًا بمجرد سماعك تنطق بعض الأرقام أو الكلمات البسيطة، فيكافؤك بتخفيضات أكبر".
ثم أضافت:
"هي رحلتي الأولى إلى العالم.. جئت اليوم سائحة وأفكر بجدية في العودة كطالبة أو كمقيمة.. أحببت هذا البلد المنظم وشعبه الطيب وكل شيء هنا.. إلا الأكل!".
قالت لي نور:
"اللغة الصينية لم تكن بذلك التعقيد الذي كنت أتصور.. أعجبتني وأحببتها، كما أنها كانت سببًا في تمتعي بالكثير من الود وبالعديد من الفرص، فالشعب الصيني يسعد كثيرًا بمجرد سماعك تنطق بعض الأرقام أو الكلمات البسيطة، فيكافؤك بتخفيضات أكبر".
ثم أضافت:
"هي رحلتي الأولى إلى العالم.. جئت اليوم سائحة وأفكر بجدية في العودة كطالبة أو كمقيمة.. أحببت هذا البلد المنظم وشعبه الطيب وكل شيء هنا.. إلا الأكل!".
ما أبهر أمان: الأكل الحلال، النظافة والأمان.
على عكس نور، فإنني وأمان الله -تلميذ ثانوي- أعجبنا الأكل الحلال، وكنا نتنافس "من يأكل أكثر"، الطعام شهي ولذيذ.
أمان الله لم يتفاجأ بلذة الأكل فقط، بل بأشياء أخرى كثيرة أيضًا، يقول
"لم أكن أعرف الكثير عن الصين، وأغلب ما أشاهده على مواقع التواصل هي فيديوهات التيكتوك الكوميدية المرفوقة بهاشتاغ «الشعب الصيني ماله حل»، كنت أتخيل أيضًا أن حلبات المصارعة في كل مكان وأنني سأشاهد معارك في فنون القتال، ولم أتوقع أن المكان آمن ونظيف إلى درجة أنني لم أرَ طيلة فترة إقامتي إلا قارورة واحدة ملقاة على الأرض وأنا متأكد أنه سيتم رفعها بعد قليل.."
عندما تزور بلدًا بهذا الحجم وهذا العدد الهائل من السكان، تتوقع بشكل طبيعي ازدحامًا شديدًا، وضوضاء، وربما صعوبة في المحافظة على نظافة الأماكن العامة.
لكن ما شاهدناه كان مختلفًا.
في بكين وتشنغدو، وفي محطات القطار والمراكز التجارية والمتاحف والشوارع، كان مستوى النظافة لافتًا للنظر. والأمر المثير للاهتمام أننا لاحظنا أحيانًا أن عدد سلال المهملات الظاهرة في بعض الشوارع ليس كبيرًا كما توقعنا، ومع ذلك بقيت الأماكن نظيفة.
ربما تنظيف الشوارع أحيانا يبدأ بتنظيف العقول .
أمان الله لم يتفاجأ بلذة الأكل فقط، بل بأشياء أخرى كثيرة أيضًا، يقول
"لم أكن أعرف الكثير عن الصين، وأغلب ما أشاهده على مواقع التواصل هي فيديوهات التيكتوك الكوميدية المرفوقة بهاشتاغ «الشعب الصيني ماله حل»، كنت أتخيل أيضًا أن حلبات المصارعة في كل مكان وأنني سأشاهد معارك في فنون القتال، ولم أتوقع أن المكان آمن ونظيف إلى درجة أنني لم أرَ طيلة فترة إقامتي إلا قارورة واحدة ملقاة على الأرض وأنا متأكد أنه سيتم رفعها بعد قليل.."
عندما تزور بلدًا بهذا الحجم وهذا العدد الهائل من السكان، تتوقع بشكل طبيعي ازدحامًا شديدًا، وضوضاء، وربما صعوبة في المحافظة على نظافة الأماكن العامة.
لكن ما شاهدناه كان مختلفًا.
في بكين وتشنغدو، وفي محطات القطار والمراكز التجارية والمتاحف والشوارع، كان مستوى النظافة لافتًا للنظر. والأمر المثير للاهتمام أننا لاحظنا أحيانًا أن عدد سلال المهملات الظاهرة في بعض الشوارع ليس كبيرًا كما توقعنا، ومع ذلك بقيت الأماكن نظيفة.
ربما تنظيف الشوارع أحيانا يبدأ بتنظيف العقول .
الشعور بالأمان يمنحك فرصاً أكبر للاكتشاف والمتعة
في عديد من الدول عادة ما ينظر إلى السائح "فريسة" وينظر إلى الوافد ك " فرصة " ، خاصة إذا سهل تمييزه بسبب اختلاف اللون أو المظهر أو اللغة.
وكان موضوع السلامة الجسدية والنفسية والمادية هاجسًا مؤرقًا لي وأولوية قصوى وأنا أحمل معي مجموعة كبيرة من الأمانات.
لكن سرعان ما انقشع الخوف وتبدد القلق، وحل مكانهما الشعور بالراحة والأمان.
ففي المراكز التجارية، والأسواق، والشوارع، ومحطات القطار، والأماكن السياحية المزدحمة، شعرنا بوجود مستوى عالٍ من التنظيم، جعلنا نركز أكثر على المتعة والاكتشاف، بدل استنزاف الطاقة في حماية الحقائب والجيوب أو في البحث عن وسائل النقل.
وكان موضوع السلامة الجسدية والنفسية والمادية هاجسًا مؤرقًا لي وأولوية قصوى وأنا أحمل معي مجموعة كبيرة من الأمانات.
لكن سرعان ما انقشع الخوف وتبدد القلق، وحل مكانهما الشعور بالراحة والأمان.
ففي المراكز التجارية، والأسواق، والشوارع، ومحطات القطار، والأماكن السياحية المزدحمة، شعرنا بوجود مستوى عالٍ من التنظيم، جعلنا نركز أكثر على المتعة والاكتشاف، بدل استنزاف الطاقة في حماية الحقائب والجيوب أو في البحث عن وسائل النقل.
وسائل النقل: ليست وسائل للنقل فقط
ومن التجارب المهمة والملهمة التي بقيت عالقة في أذهاننا، رحلة القطار فائق السرعة بين بكين وتشنغدو.
بطبيعة الحال، أثارت السرعة الفائقة وجودة البنية التحتية إعجابنا، لكن ما أثار انتباهي أكثر كان التفاصيل الدقيقة.
ففي القطار، تستطيع استعمال رمز QR الموجود قرب مقعدك للاطلاع على الخدمات المتاحة، ويمكنك طلب الطعام المرتبط بمنظومة المحطات الموزعة على مسار الرحلة، ليتم تجهيز الوجبة وإيصالها إليك مباشرة في مكانك.
فكرت حينها أن الابتكار الحقيقي ليس دائمًا اختراعًا ضخمًا نراه في المختبرات، بل يكمن أحيانًا في تنظيم عشرات الخدمات الصغيرة بطريقة تجعل حياة الإنسان أسهل.
لقد كان القطار نظيفًا، والخدمة محكمة، والانتقال بين المحطات يتم بانسيابية كبيرة؛ حتى إن الرحلة التي كان يُفترض أن تكون مجرد عبور بين مدينتين، تحولت بالنسبة إلينا إلى تجربة تعليمية ملهمة.
بطبيعة الحال، أثارت السرعة الفائقة وجودة البنية التحتية إعجابنا، لكن ما أثار انتباهي أكثر كان التفاصيل الدقيقة.
ففي القطار، تستطيع استعمال رمز QR الموجود قرب مقعدك للاطلاع على الخدمات المتاحة، ويمكنك طلب الطعام المرتبط بمنظومة المحطات الموزعة على مسار الرحلة، ليتم تجهيز الوجبة وإيصالها إليك مباشرة في مكانك.
فكرت حينها أن الابتكار الحقيقي ليس دائمًا اختراعًا ضخمًا نراه في المختبرات، بل يكمن أحيانًا في تنظيم عشرات الخدمات الصغيرة بطريقة تجعل حياة الإنسان أسهل.
لقد كان القطار نظيفًا، والخدمة محكمة، والانتقال بين المحطات يتم بانسيابية كبيرة؛ حتى إن الرحلة التي كان يُفترض أن تكون مجرد عبور بين مدينتين، تحولت بالنسبة إلينا إلى تجربة تعليمية ملهمة.
عندما تصبح التكنولوجيا " حياة "
زرنا متحف العلوم والتكنولوجيا في بكين، وكانت تلك الزيارة مهمة بشكل خاص لتلاميذنا المهتمين بالعلوم والروبوتيك وSTEM؛ لكن المفاجأة الكبرى كانت أن التكنولوجيا لم تكن محصورة داخل جدران المتحف، بل وجدناها نابضة في تفاصيل الواقع المعيش نفسه.
لقد لاحظنا أن الهاتف المحمول يكاد يكون المفتاح الأوحد لتسيير اليوم: من الدفع، والتنقل، إلى الطلب، والحجز، والخدمات، وحتى أبسط المشتريات؛ حيث تجد تطبيقات WeChat وAlipay ورموز QR في كل مكان تقريبًا.
وحتى المتسول الوحيد الذي اعترض طريقنا كان يتسول "إلكترونيًا" عن طريق QR CODE!
كما أن استئجار بطارية خارجية لشحن الهاتف أصبح خدمة سهلة متوفرة في أماكن كثيرة. وفي الفنادق، شاهدنا روبوتات تقوم بتوصيل بعض الطلبات إلى الغرف، إذ أضحى من الطبيعي أن تطلب شيئاً عبر التطبيق فيصل إليك في الفندق بسرعة فائقة.
بالنسبة إلى تلاميذ في سن المراهقة، لم تكن هذه مجرد خدمات مريحة، بل كانت درساً عملياً ملموساً في معنى التحول الرقمي الحقيقي.
لقد لاحظنا أن الهاتف المحمول يكاد يكون المفتاح الأوحد لتسيير اليوم: من الدفع، والتنقل، إلى الطلب، والحجز، والخدمات، وحتى أبسط المشتريات؛ حيث تجد تطبيقات WeChat وAlipay ورموز QR في كل مكان تقريبًا.
وحتى المتسول الوحيد الذي اعترض طريقنا كان يتسول "إلكترونيًا" عن طريق QR CODE!
كما أن استئجار بطارية خارجية لشحن الهاتف أصبح خدمة سهلة متوفرة في أماكن كثيرة. وفي الفنادق، شاهدنا روبوتات تقوم بتوصيل بعض الطلبات إلى الغرف، إذ أضحى من الطبيعي أن تطلب شيئاً عبر التطبيق فيصل إليك في الفندق بسرعة فائقة.
بالنسبة إلى تلاميذ في سن المراهقة، لم تكن هذه مجرد خدمات مريحة، بل كانت درساً عملياً ملموساً في معنى التحول الرقمي الحقيقي.
مدن مليونية تتقن "فن الهدوء"
ومن التفاصيل التي استوقفتنا كذلك، الهدوء النسبي في الشوارع مقارنة بما توقعناه من مدن بهذا الحجم والضخامة؛ إذ لاحظنا أن أحد أبرز أسباب هذا السكون هو الانتشار الكثيف للسيارات والدراجات والحافلات الكهربائية.
فوجود هذا العدد الهائل من العربات الصديقة للبيئة يقلل بشكل ملحوظ من ضجيج المحركات التقليدية.
وهكذا اكتشفنا أن الانتقال نحو الطاقة النظيفة ليس مجرد قضية بيئية تُناقش في المؤتمرات، بل هو واقع له أثر مباشر على نوعية الحياة اليومية داخل المدينة.
وبالنسبة لتلاميذنا، كانت هذه فرصة ممتازة للربط بين ما يتلقونه في مقاعد الدراسة عن البيئة والاستدامة، وبين واقع حي يلمسونه ويعيشونه بأعينهم.
فوجود هذا العدد الهائل من العربات الصديقة للبيئة يقلل بشكل ملحوظ من ضجيج المحركات التقليدية.
وهكذا اكتشفنا أن الانتقال نحو الطاقة النظيفة ليس مجرد قضية بيئية تُناقش في المؤتمرات، بل هو واقع له أثر مباشر على نوعية الحياة اليومية داخل المدينة.
وبالنسبة لتلاميذنا، كانت هذه فرصة ممتازة للربط بين ما يتلقونه في مقاعد الدراسة عن البيئة والاستدامة، وبين واقع حي يلمسونه ويعيشونه بأعينهم.
تشنغدو… عندما بدأت الرحلة تصبح أكثر إنسانية
ثم وصلنا إلى تشنغدو، وكانت بالنسبة إلى الكثير منا مفاجأة الرحلة، وربما المدينة التي تركت الأثر العاطفي الأكبر؛ حيث زرنا قاعدة الباندا العملاق.
وتجولنا في جينلي (Jinli) وطريق تشونشي (Chunxi Road)، وجلسنا في بيت شاي تقليدي، وشاهدنا أوبرا سيتشوان، واكتشفنا نمط حياة يختلف عن بكين ولكنه يحمل روح الصين نفسها.
وفي متحف مطبخ سيتشوان، لم يكتفِ تلاميذنا بالمشاهدة، بل شاركوا بأنفسهم في تجربة الطبخ، وكانت لحظة بسيطة لكنها بالغة الأهمية؛ فالتلميذ عندما يطبخ طعام شعب آخر، ويتعلم عن مكوناته وتقاليده، يصبح أقرب إلى ثقافته من أي شرح نظري.
والجميل أن "شعب الهريسة" وجدوا مطبخًا يشاركهم حب "المحرحر" و"الموزوز".
حيث قالت فاطمة -تلميذة ثانوي-:
"يأكلوا حار أكثر منا!".
فاطمة، التي تغادر تونس لأول مرة، كانت قلقة ومترددة في البداية، تقول:
"هي المرة الأولى التي أسافر فيها، وأردت أن تكون وجهتي مختلفة. كنت مضطربة في البداية لكن سرعان ما بدأتُ بالتأقلم وعرفتُ المتعة. أبهرني إتقان الشعب الصيني وتفانيهم في العمل، ولم أكن أتوقع أنهم بهذه الطيبة والترحاب والتعاون".
وأضافت:
"نشرتُ فيديو على صفحة المؤسسة وثّقت فيه يومي في الصين، وترددت في نشره على صفحتي الخاصة، ولم أفعل إلا بعد تشجيع من العائلة والأصدقاء الذين أعجبهم المحتوى".
وتجولنا في جينلي (Jinli) وطريق تشونشي (Chunxi Road)، وجلسنا في بيت شاي تقليدي، وشاهدنا أوبرا سيتشوان، واكتشفنا نمط حياة يختلف عن بكين ولكنه يحمل روح الصين نفسها.
وفي متحف مطبخ سيتشوان، لم يكتفِ تلاميذنا بالمشاهدة، بل شاركوا بأنفسهم في تجربة الطبخ، وكانت لحظة بسيطة لكنها بالغة الأهمية؛ فالتلميذ عندما يطبخ طعام شعب آخر، ويتعلم عن مكوناته وتقاليده، يصبح أقرب إلى ثقافته من أي شرح نظري.
والجميل أن "شعب الهريسة" وجدوا مطبخًا يشاركهم حب "المحرحر" و"الموزوز".
حيث قالت فاطمة -تلميذة ثانوي-:
"يأكلوا حار أكثر منا!".
فاطمة، التي تغادر تونس لأول مرة، كانت قلقة ومترددة في البداية، تقول:
"هي المرة الأولى التي أسافر فيها، وأردت أن تكون وجهتي مختلفة. كنت مضطربة في البداية لكن سرعان ما بدأتُ بالتأقلم وعرفتُ المتعة. أبهرني إتقان الشعب الصيني وتفانيهم في العمل، ولم أكن أتوقع أنهم بهذه الطيبة والترحاب والتعاون".
وأضافت:
"نشرتُ فيديو على صفحة المؤسسة وثّقت فيه يومي في الصين، وترددت في نشره على صفحتي الخاصة، ولم أفعل إلا بعد تشجيع من العائلة والأصدقاء الذين أعجبهم المحتوى".
سانشينغدوي: الصين التي سبقت حاضرها بآلاف السنين
كانت زيارة متحف سانشينغدوي من أكثر التجارب إثارة؛ فالأقنعة البرونزية والقطع الأثرية ذات الأشكال المدهشة جعلتنا نعيد التفكير في الصورة التي نحملها عن الحضارات القديمة.
كما شارك التلاميذ في ورشة مستوحاة من تلك الأقنعة البرونزية، وهنا التقى مرة أخرى التعلم بالتجربة.
خرجت من المتحف وأنا أفكر في مفارقة جميلة: هذا البلد الذي يفاجئنا اليوم بالقطارات السريعة والروبوتات والخدمات الرقمية، هو نفسه بلد يحمل في أرضه حضارات كانت تبدع منذ آلاف السنين.
وربما كانت تلك هي الفكرة الأهم التي حملتها معي من الصين: المستقبل لا يعني التخلي عن الماضي، بل قد يكون المستقبل أقوى عندما يعرف المجتمع جذوره ويحافظ عليها.
كما شارك التلاميذ في ورشة مستوحاة من تلك الأقنعة البرونزية، وهنا التقى مرة أخرى التعلم بالتجربة.
خرجت من المتحف وأنا أفكر في مفارقة جميلة: هذا البلد الذي يفاجئنا اليوم بالقطارات السريعة والروبوتات والخدمات الرقمية، هو نفسه بلد يحمل في أرضه حضارات كانت تبدع منذ آلاف السنين.
وربما كانت تلك هي الفكرة الأهم التي حملتها معي من الصين: المستقبل لا يعني التخلي عن الماضي، بل قد يكون المستقبل أقوى عندما يعرف المجتمع جذوره ويحافظ عليها.
أجمل ما اكتشفناه كان الإنسان:
رغم كل ما شاهدناه من معالم وتكنولوجيا، فإن أجمل ما بقي معنا لم يكن جهازًا ولا مبنى ولا قطارًا، بل كان الإنسان الصيني في نبله ولطفه.
ففي مواقف كثيرة احتجنا إلى مساعدة، فوجدنا من يحاول فهمنا ومساعدتنا حتى عندما لم نكن نتحدث اللغة نفسها. وفي الفنادق، والمتاحف، والشوارع، ووسائل النقل، شعرنا بالترحيب واللطف والاستعداد الصادق للمعاضدة.
وهذه التجربة مهمة جدًا لأبنائنا؛ ففي زمن قد يتعرف فيه الشاب على بلد آخر عبر عشرات الصور والأخبار ومقاطع الفيديو، يبقى اللقاء المباشر مع الإنسان مختلفًا تمامًا؛ إذ يكتشف أن خلف الاختلاف في اللغة والملامح والعادات شخصًا يتقاسم معه المشاعر نفسها، والطموحات نفسها، والرغبة ذاتها في التواصل.
حين تتحول الرحلة إلى مشروع عمر
صفتي التربوية حملتني مسؤولية التعجيل ببناء جسوراً حية ودافئة، تربط بين وجدان أبنائنا في تونس وأقرانهم في الصين.
حين حطت بنا الطائرة في ربوع تونس، أدركتُ بيقين أن الرحلة لم تنتهِ بنزولنا من مدرج المطار، بل إنها بدأت لتوّها!
لا يجب أن يتوقف الطموح التربوي عند محطة تعلم اللغة فقط ، بل يجب أن تكون اللغات والثقافات قاطرة تفتح لهم شرفات التواصل الإنساني مع أمة صنعت التاريخ وتصنع الحاضر، ويكون نتاجها ثمار توأمة حقيقية بين المدارس ، التلاميذ ، الأسر ،الشعوب والحضارات .
حصاد الرحلة: ماذا حملت حقائبنا؟
في المثل التونسي " غاب .. آش جاب " أي بماذا عاد الغائب ؟ ...سؤال لا يتوقف منذ أن وطئت أقدامنا أرض الوطن، "ما الذي استأثر بدهشتك في الصين؟ هل هي مهابة السور العظيم؟ أم الطفرة التكنولوجية؟ أم انسيابية القطارات الفائقة؟ أم دفء تشنغدو وسكينة شوارعها؟".
والحق، أن الإجابة تمنعت عن الاختزال؛ لأنها أصبحت في روحي أكبر من تفضيل مكان أو تذكر مشهد.
عدت وأنا أنظر بتهيب لإعجاز دولة استطاعت أن تحرس موروثها القديم بيد، وتبني مجد المستقبل باليد الأخرى.
عدت وعندي يقين مطلق بأن السفر هو أعظم فصول التربية، وأن أنبل ما نهديه لأبنائنا هو أن نكسر أمامهم جدران العزلة، ونفتح لهم شرفات الكون الواسع، ثم نتركهم يتساءلون بتحدّ وشغف: "ماذا يمكن أن نتعلم منهم؟ وماذا يمكن أن نصنع نحن أيضاً في تونس؟".
وإذا كان لا بد لي من إيجاز هذه الملحمة الإنسانية، فلن أجد أبلغ من قولها صرخة فخر: «ذهبنا إلى الصين لاكتشاف بلد، فوجدنا حضارة.. وذهبنا لاكتشاف حضارة، فوجدنا المستقبل.. وذهبنا لزيارة الصين، فعُدنا ونحن نحمل فجر صداقة نريدها أن تستمر، وتزهر، وتورق عبر الأجيال.»
غرد العندليب الأسمر ذات يوم: «لو حكينا نبتدي منين الحكاية».. وتلك كانت بداية رحلتنا التي لم أعلم حقاً من أي غيثٍ أستهل فصولها.
لكنني أوقن اليوم أن خاتمتها ليست إلا فاتحة لعهد جديد؛ عهدٌ نأمل أن تستمر في خطّ أمجاده أجيالٌ "طيبة" من «شعب الهريسة» و«شعب التنين».
سلمان البريكي
ففي مواقف كثيرة احتجنا إلى مساعدة، فوجدنا من يحاول فهمنا ومساعدتنا حتى عندما لم نكن نتحدث اللغة نفسها. وفي الفنادق، والمتاحف، والشوارع، ووسائل النقل، شعرنا بالترحيب واللطف والاستعداد الصادق للمعاضدة.
وهذه التجربة مهمة جدًا لأبنائنا؛ ففي زمن قد يتعرف فيه الشاب على بلد آخر عبر عشرات الصور والأخبار ومقاطع الفيديو، يبقى اللقاء المباشر مع الإنسان مختلفًا تمامًا؛ إذ يكتشف أن خلف الاختلاف في اللغة والملامح والعادات شخصًا يتقاسم معه المشاعر نفسها، والطموحات نفسها، والرغبة ذاتها في التواصل.
حين تتحول الرحلة إلى مشروع عمر
صفتي التربوية حملتني مسؤولية التعجيل ببناء جسوراً حية ودافئة، تربط بين وجدان أبنائنا في تونس وأقرانهم في الصين.
حين حطت بنا الطائرة في ربوع تونس، أدركتُ بيقين أن الرحلة لم تنتهِ بنزولنا من مدرج المطار، بل إنها بدأت لتوّها!
لا يجب أن يتوقف الطموح التربوي عند محطة تعلم اللغة فقط ، بل يجب أن تكون اللغات والثقافات قاطرة تفتح لهم شرفات التواصل الإنساني مع أمة صنعت التاريخ وتصنع الحاضر، ويكون نتاجها ثمار توأمة حقيقية بين المدارس ، التلاميذ ، الأسر ،الشعوب والحضارات .
حصاد الرحلة: ماذا حملت حقائبنا؟
في المثل التونسي " غاب .. آش جاب " أي بماذا عاد الغائب ؟ ...سؤال لا يتوقف منذ أن وطئت أقدامنا أرض الوطن، "ما الذي استأثر بدهشتك في الصين؟ هل هي مهابة السور العظيم؟ أم الطفرة التكنولوجية؟ أم انسيابية القطارات الفائقة؟ أم دفء تشنغدو وسكينة شوارعها؟".
والحق، أن الإجابة تمنعت عن الاختزال؛ لأنها أصبحت في روحي أكبر من تفضيل مكان أو تذكر مشهد.
عدت وأنا أنظر بتهيب لإعجاز دولة استطاعت أن تحرس موروثها القديم بيد، وتبني مجد المستقبل باليد الأخرى.
عدت وعندي يقين مطلق بأن السفر هو أعظم فصول التربية، وأن أنبل ما نهديه لأبنائنا هو أن نكسر أمامهم جدران العزلة، ونفتح لهم شرفات الكون الواسع، ثم نتركهم يتساءلون بتحدّ وشغف: "ماذا يمكن أن نتعلم منهم؟ وماذا يمكن أن نصنع نحن أيضاً في تونس؟".
وإذا كان لا بد لي من إيجاز هذه الملحمة الإنسانية، فلن أجد أبلغ من قولها صرخة فخر: «ذهبنا إلى الصين لاكتشاف بلد، فوجدنا حضارة.. وذهبنا لاكتشاف حضارة، فوجدنا المستقبل.. وذهبنا لزيارة الصين، فعُدنا ونحن نحمل فجر صداقة نريدها أن تستمر، وتزهر، وتورق عبر الأجيال.»
غرد العندليب الأسمر ذات يوم: «لو حكينا نبتدي منين الحكاية».. وتلك كانت بداية رحلتنا التي لم أعلم حقاً من أي غيثٍ أستهل فصولها.
لكنني أوقن اليوم أن خاتمتها ليست إلا فاتحة لعهد جديد؛ عهدٌ نأمل أن تستمر في خطّ أمجاده أجيالٌ "طيبة" من «شعب الهريسة» و«شعب التنين».
سلمان البريكي
